القاضي عبد الجبار الهمذاني
287
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إنما قبح الألم إذا كان ظلما لاختصاصه بنفور الطبع عنه ، وكل الألم هذا حاله ، فيجب أن يكون قبيحا . قيل / له : إن معنى القبيح في العقل هو ما يستحق به الذم على بعض الوجوه ، ولا معتبر فيه بنفار الطبع على ما بيناه في أول باب العدل ، فلا يصح ما ذكرتموه . وبعد ، فإنكم إن أردتم بقبح جميع الألم هذا المعنى ، فلا خلاف بيننا وبينكم في هذا الوجه « 1 » ، وإنما نخالفكم في معنى القبيح ونبين لكم أنكم قد أخطأتم في العبارة والمعنى جميعا ، لأن العقلاء يعلمون أن مشية الإنسان وإن كانت تقبح على معنى نفار الطبع عنها ، وكذلك خطه ولفظه ، فذلك لا يجرى في استحقاق الذم عليه مجرى ظلمه وسبابه وأخذه مال غيره . وإنما ننكر كون جميع الآلام قبيحة على هذا الوجه دون الوجه الأول فما دليلكم على قبحها على هذا الوجه ؟ أر أيتم أننا إذا عدلنا عند محاجتكم عن لفظ القبيح إلى ما يقوم مقامه فقلنا لكم : لم قلتم إن الظلم إذا استحق عليه الذم والتوبيخ أن كل ألم هذا حاله ، وإن كان فيه النفع العظيم ودفع الضرر الكبير ، أكان يصح منكم إسقاط المسألة بالتعلق بلفظ القبيح ؟ فإذا قالوا : لا يجوز ذلك ولا يمكن ، قلنا لهم : فإنما أردنا بالقبح هذا المعنى ، فلا تتعلقوا باللفظ واعدوا إلى المعنى وإثباته إن وجدتم إليه سبيلا . فإن قالوا : لو كان في الآلام ما يقبح وفيها ما يحسن ، لوجب في القبيح منها أن لا يكون قبيحا لذاته ، ولا يكونه ألما ، وأن يكون قبيحا بالفاعل أو لعلة . فإذا بطل ذلك ، فواجب أن يكون إنما يقبح لذاته وجنسه .
--> ( 1 ) أي نفور الطبع عنه .